فخر الدين الرازي

78

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح ، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور . وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحرا مملوءا من الظلمة . ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولا من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلوما حسن الحذف . والثاني : أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله : فالِقُ الْإِصْباحِ أي فالق الإصباح ببياض النهار . والثالث : أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن اللَّه تعالى فلق تلك الظلمة فقوله : فالِقُ الْإِصْباحِ أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع : قال بعضهم : الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل واللَّه أعلم . أما قوله تعالى : وجاعل الليل سكنا فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد . فأولها : ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها : قوله وجاعل الليل سكنا وفيه مباحث : المبحث الأول : قال صاحب « الكشاف » : السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناسا به واسترواحا إليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل : للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها / المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل . فإن قيل : أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل ؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا : كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق . المبحث الثاني : قرأ عاصم والكسائي وَجَعَلَ اللَّيْلَ على صيغة الفعل ، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل ، وهو قوله : فالِقُ الْحَبِّ و فالِقُ الْإِصْباحِ [ الأنعام : 95 - 96 ] وجاعل أيضا اسم الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركا للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل ، وما ذلك إلا أن يقدر قوله : وَجَعَلَ بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسبانا وذلك يفيد المطلوب . وأما قوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ففيه مباحث : المبحث الأول : معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] وقال في سورة الرحمن : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [ الرحمن : 5 ] وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار ،